مايز الأدهمي صحافي طرابلسي أدار جريدة “الإنشاء” المحلية، عرف بكونه أشبه بذاكرة تمشي على الأرض. فالرجل الذي ارتبط اسمه بأرشيف مدينة طرابلس، استطاع على مدى عقود أن يحافظ على جزء كبير من تاريخ المدينة الثقافي والسياسي والاجتماعي في زمن ضاعت فيه الكثير من التفاصيل تحت ضغط الحروب والأزمات والتغيّرات السريعة. لذلك، لم يكن رحيله حدثاً عادياً بالنسبة للطرابلسيين، بل خسارة لشخص حمل ذاكرة مدينة كاملة بين أوراقه وصوره وحكاياته.

وُلد مايز الأدهمي عام ١٩٤٦ في محلة الحدادين في طرابلس، في عائلة ارتبط اسمها بالصحافة منذ تأسيس والده محمود الأدهمي جريدة “الإنشاء” عام ١٩٤٧، ليعيش منذ صغره أجواء الأدب والمطابع والتحرير والعمل الإعلامي، ما جعله يختار دراسة الصحافة في جامعة القاهرة قبل أن يعود إلى لبنان ليكمل مسيرة والده في جريدة “الإنشاء”.

لم يقتصر دور الأدهمي على العمل الصحافي فقط، بل تعدّاه إلى التوثيق الثقافي والتاريخي. فقد عرف عنه احتفاظه بأرشيف ضخم من الصور والجرائد والوثائق المتعلقة بتاريخ طرابلس، حتى أصبح مرجعاً للصحافيين والباحثين والمخرجين الذين يبحثون في تاريخ المدينة وتحولاتها.

في مدينة لم تر الإستقرار و الراحة نظراً للتحولات السياسية والأمنية الكبيرة، لعب مايز الأدهمي دوراً مهماً في الحفاظ على هوية طرابلس الثقافية والإعلامية. فبينما اختفت صحف ومؤسسات عدة، استمرت “الإنشاء” كجزء من تاريخ المدينة، واستمر الأدهمي في الكتابة والتوثيق رغم كل المصاعب.

إهتم الأدهمي بتاريخ السينما والحياة الثقافية الطرابلسية القديمة، فكان يرى أن طرابلس ليست ساحة للأحداث السياسية فقط، بل أيضاً مركزاً ثقافياً وفنياً مهماً في لبنان. لذلك، ركّز دائماً على حفظ هذا الجانب الذي بدأ يندثر مع مرور الوقت.

عُرف مايز الأدهمي ببساطته وقربه من الناس. فلم يكن يتعامل مع الناس كصحافي منعزل عن محيطه، بل كشخص يعيش تفاصيل المدينة بشكل يومي ويحفظ قصص أهلها وأحيائها وأسواقها، ليصبح موسوعة تاريخية طرابلسية عريقة

أمن بأهمية الأرشفة، فاعتبر أن حفظ الصور والوثائق لا تقل أهمية عن كتابة الأخبار نفسها، لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً كبيراً من هويتها.

يبقى مايز الأدهمي واحداً من أهم وأبرز الشخصيات الصحافية والثقافية التي عرفتها طرابلس ولبنان في العقود الأخيرة. فالرجل لم يكن مجرد مدير لجريدة، بل حافظاً لذاكرة المدينة وشاهداً على تاريخها وتحولاتها.

مع رحيله عام ٢٠٢٦، بقيت الأسئلة نفسها مطروحة: هل تستطيع طرابلس الحفاظ على ذاكرتها الثقافية بعد غياب شخصيات كرّست حياتها للتوثيق؟ وهل تدرك الأجيال الجديدة أهمية الأرشيف والتاريخ المحلي في حماية هوية المدن؟ هل تجد طرابلس شخص مثل مايز الأدهمي مجدداً؟

شاركها.