1. بين بليدا وشرم الشيخ: إعادة تعريف الصراع والشرعية والقرار اللبناني

 

بقلم: أشرف عبد الخالق

 

لم يكن مشهد بلدة بليدا حادثًا معزولًا في الزمن أو الجغرافيا. أن تتوغل قوة إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية وتغتال موظفًا بلديًا داخل مبنى رسمي، ثم يأتي الرد الرئاسي بتكليف قائد الجيش التصدي لأي توغل، فذلك ليس تفصيلًا ميدانيًا بل إشارة سياسية كثيفة. إنها لحظة اختبار دقيقة للدولة اللبنانية — هل لا تزال قادرة على ترجمة السيادة إلى فعلٍ ميداني، أم أن مفهوم السيادة ذاته يخضع لإعادة تعريف؟

 

1. من الميدان إلى المفاوضات: إعادة هندسة التوازن

ما نقلته أوروتاغوس عن موافقة مبدئية من الرؤساء الثلاثة على تعيين ممثلين مدنيين بصفتهم خبراء للانضمام إلى لجنة تفاوض غير مباشر، ليس مجرد خطوة تقنية، بل هو تبديل في طبيعة الفاعل اللبناني داخل أي مفاوضة مقبلة. فحين يُستبدل العسكري أو المفاوض الأمني بخبير مدني، فهذا يعني أن الساحة اللبنانية تُسحب تدريجيًا من يد محور القوة الصلبة (المقاومة والجيش) إلى يد محور الشرعية المدنية المدعوم دوليًا.

 

بمعنى أدق، واشنطن لا تريد “تفاوضًا عسكريًا حول الأمن”، بل “تسوية سياسية تحت غطاء تقني مدني” تسمح بإعادة رسم العلاقة بين الجنوب والكيان الإسرائيلي دون أن تبدو خيانة لثوابت لبنان. إنها طريقة ناعمة لتفكيك المعادلة الثلاثية (الجيش – الشعب – المقاومة) من الداخل، تحت عنوان الخبرة والحياد.

 

2. ثلاثة أشهر: زمن التهدئة أم مرحلة إعادة التموضع؟

 

أما الحديث عن هدنة تمتد لثلاثة أشهر وفق الوساطة المصرية، فهو ليس تحديدًا زمنياً عبثيًا. ثلاثة أشهر تكفي لتثبيت واقع جديد على الأرض دون توقيع اتفاق رسمي.

خلالها يمكن:

تجميد النار لتسخين السياسة: أي وقف العمليات وفتح الممرات الخلفية للتفاوض.

 

تسويق فكرة الانسحاب المرحلي: انسحاب الحزب من جنوب الليطاني مقابل انسحاب إسرائيلي من النقاط المحتلة.

 

تهيئة الداخل اللبناني لقبول معادلة جديدة: لا حرب ولا مقاومة فاعلة، بل إدارة أمنية دولية – مدنية – لبنانية مشتركة.

 

بمعنى آخر، الأشهر الثلاثة هي فترة انتقالية بين حرب الردع وحرب الشرعية، حيث يتم استبدال معادلة الردع الشعبي بمعادلة الشرعية الدولية، بإشراف مصري-أميركي-أممي.

 

3. إعادة تعريف الصراع والشرعية والقرار

 

هنا نصل إلى بيت القصيد.

حين تتحدث واشنطن والقاهرة عن “تسوية شاملة” تشمل ترسيم الحدود البرية وحل مزارع شبعا، فالأمر يتجاوز خطوط الطباشير على الخرائط. إنها محاولة لإعادة تعريف الصراع ذاته:

 

•إعادة تعريف الصراع: لم يعد صراعًا وجوديًا بين لبنان و”إسرائيل”، بل نزاع حدودي يمكن حله دبلوماسيًا.

 

•إعادة تعريف الشرعية: لم تعد الشرعية تستمد من قدرة المقاومة على الردع، بل من قدرة الدولة على التفاوض والتسوية.

 

•إعادة تعريف القرار اللبناني: لم يعد القرار يُصنع في بيروت وحدها، بل في خريطة تنسيق رباعية (القاهرة – واشنطن – تل أبيب – بيروت) بإشراف أممي وتسهيل أوروبي.

 

بهذا المعنى، ما يجري ليس تفاوضًا حول وقف إطلاق النار، بل هندسة سياسية جديدة للبنان ما بعد الجنوب المسلح.

المطلوب أن يصبح الجنوب منطقة “نزع رمزي للسلاح” أكثر منه نزع فعلي، لتتحول المقاومة إلى قوة رمزية ضمن خطاب الدولة، لا فاعل ميداني مستقل عنها.

 

4. من شرم الشيخ إلى بليدا: الخيط الناظم

حين أُقيمت لقاءات شرم الشيخ بمشاركة مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة، كان من الواضح أن الشرق الأوسط يتّجه إلى مرحلة توزيع أدوار إقليمية بإشراف أميركي-مصري. ما يحدث اليوم هو التطبيق اللبناني لذلك النموذج:

-مصر تتحول إلى الوسيط المركزي المقبول من واشنطن و”تل أبيب” ومن بعض القوى اللبنانية.

 

-الولايات المتحدة تمسك بالخيوط السياسية والاقتصادية.

 

-تركيا وقطر تستعدان للدور الإنساني والمالي لاحقًا في مرحلة إعادة الإعمار أو التهدئة.

 

كل ذلك يمر عبر لبنان، الحلقة الأضعف ميدانيًا والأغنى رمزيًا، ليصبح اختبارًا أوليًا لصيغة “الشرق الأوسط المنزوع السلاح والمفتوح للاستثمار”.

 

في الخلاصة:

حادثة بليدا، رغم مأساويتها، كشفت عن شيء أكبر من الرصاص. إنها الجرس الأول لتحوّل لبناني قادم:

من معادلة المقاومة إلى معادلة التهدئة،

من الصراع المفتوح إلى الصراع المؤسطر في لجان مدنية،

ومن القرار الوطني المستقل إلى القرار الدولي المنسّق.

 

إنها ليست تسوية حرب، بل تسوية هوية.

ومن يدرك هذه الحقيقة، يدرك أن المعركة المقبلة لن تُخاض بالسلاح، بل بالتعريفات.

شاركها.