العميد حمود… من مواجهة 7 أيار إلى زنزانة “العدالة الانتقائية”
خاص _ نور طرابلس
اليوم، يُسجن رجلٌ قدّم سنوات من الخدمة للدولة، ووقف بوجه آلة القتل والتجويع، في حين لا يزال أمراء الحرب وأثرياء الفساد يتنعمون بحصاناتهم. إنها مفارقة صارخة تضع منظومة العدالة برمتها في قفص الاتهام.
منذ أيام، ضجّت طرابلس بخبر توقيف العقيد المتقاعد عميد حمود، الرجل الذي ارتبط اسمه بمراحل دقيقة من التاريخ الأمني والسياسي اللبناني، وبخاصة في الشمال، والذي تحوّل في نظر شريحة واسعة من أهالي المدينة إلى رمز للكرامة والدفاع عن المظلومين. غير أن هذا التوقيف، الذي اتُّخذ بذريعة “مزاولة الطب دون ترخيص”، يطرح في طياته علامات استفهام أعمق، تتجاوز القانون إلى الحسابات السياسية وتصفية الحسابات القديمة.
🔹 مستوصف الفقراء… تهمة الرحمة!
لم يكن مركز “السلام الطبي” أكثر من مبادرة إنسانية لإغاثة أبناء طرابلس والمحتاجين من النازحين السوريين، قدمت – بحسب الإحصاءات – أكثر من 20,000 عملية طبية بأسعار شبه مجانية، في غياب تام للدولة عن تأمين الطبابة والاستشفاء.
وإذا كانت الذريعة الرسمية لتوقيف العميد هي إدارة مركز طبي دون ترخيص، فإن المعنيين يعلمون أن العميد حمود تقدّم مرارًا بطلبات ترخيص، جوبهت بالتسويف والتجميد المتعمّد، وكأن المقصود هو الإبقاء على هذا الملف سيفًا مسلطًا على رقبته.
🔹 7 أيار… نقطة التحول
لفهم أبعاد استهداف حمود، لا بد من العودة إلى استقالته الشهيرة في 7 أيار 2008، يوم اجتاح حزب الله بيروت ، فيما التزم الجيش الحياد. حينها، رفض العميد أن يكون شاهد زور على انكسار الدولة، وقدّم استقالته احتجاجًا على أداء المؤسسة العسكرية، ليصبح لاحقًا رمزًا لكرامة الضباط الرافضين للخضوع لإملاءات السلاح غير الشرعي.
هذه الاستقالة، وإن مرّ عليها أكثر من عقد ونصف، لا تزال حاضرة في ذاكرة كثيرين ممن اعتبروا حمود ضميرًا حيًا، وممن اعتبره آخرون “عقبة” في وجه مشروعهم السياسي أو الطائفي.
🔹 تصفية حسابات تحت عباءة القانون
ما جرى مؤخرًا لا يمكن عزله عن سياق سياسي وأمني أكبر: الصراع داخل أجهزة الدولة، وتبادل النفوذ بين التيارات، وخصوصًا في الشمال. العميد حمود أصبح لاحقًا “شخصًا غير مرغوب فيه” حين خرج عن عباءة الجميع، ورفض الخضوع لأي جهة.
لكن السؤال البديهي الذي يطرحه كثيرون: لماذا لم تتحرّك الدولة سابقًا لتوقيفه إن كانت التهم بهذه الخطورة؟ ولماذا تمّ فتح الملف اليوم، بعد أن غاب عن المشهد السياسي والأمني، وكرّس وقته لخدمة الناس؟
اليوم، يُسجن رجلٌ قدّم سنوات من الخدمة للدولة، ووقف بوجه آلة القتل والتجويع، في حين لا يزال أمراء الحرب وأثرياء الفساد يتنعمون بحصاناتهم. إنها مفارقة صارخة تضع منظومة العدالة برمتها في قفص الاتهام.
✊ صوت المدينة: “لن نسكت”
في طرابلس، لم يكن توقيف حمود مجرد إجراء قانوني. كان رسالةً إلى كل من يجرؤ على العمل خارج إرادة السلطة القائمة. لكن الردّ أتى صريحًا: بيانات استنكار من مرجعيات دينية واجتماعية، وحراك مدني تضامني يزداد زخمًا.
الرسالة واضحة: المدينة التي أنجبت رجالات دولة، لا تقبل أن يُعامل أبناؤها كجناة لأنهم رفضوا الخضوع، أو لأنهم حاولوا أن يصنعوا فرقًا.
📌 الختام: بين المستشفى والزنزانة
من المؤسف أن تتحول يد العون إلى ملف اتهام، وأن يُحاكم رجل بمبادئه لا بأفعاله. توقيف العميد حمود ليس مجرد قضية قانونية، بل اختبار للعدالة وللذاكرة الوطنية: هل نسينا من وقف في وجه الطغيان يوم صمت الآخرون؟ وهل باتت المروءة جريمة في زمن السمسرة؟
ربما لن يُكتب في السجلات الرسمية سوى “أوقف بسبب مستوصف غير مرخّص”، لكن التاريخ – كما المدينة – يعرف الحقيقة جيدًا.
