*إيران وإسرائيل على حافة الهاوية: قراءة عسكرية استراتيجية في مشهد إقليمي ملتهب*

بقلم: أشرف عبد الخالق

مع نهاية الأسبوع الثاني من يونيو 2025، دخل الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من التصعيد المباشر بين إيران وإسرائيل، مهددًا بإعادة رسم خرائط النفوذ والمعادلات الأمنية في المنطقة. هذا التصعيد، الذي بدأ بضربات دقيقة متبادلة، تحول تدريجيًا إلى مواجهة عسكرية مكشوفة، شملت استخدامًا واسعًا للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مع تلميحات جدية إلى إمكانية تصعيد أكبر يشمل أطرافًا إقليمية ودولية.

*تبادل الضربات وكشف العيوب الدفاعية*

بدأت الجولة الأخيرة بهجوم إسرائيلي دقيق استهدف مواقع في عمق إيران، وتبعته طهران بردّ غير مسبوق شمل إطلاق مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه أهداف داخل إسرائيل. على الرغم من تفوق إسرائيل التقليدي في تقنيات الدفاع الجوي، إلا أن هذا التصعيد كشف بوضوح عن ثغرات فادحة في بنيتها الدفاعية. منظومة “القبة الحديدية” التي لطالما عُوّل عليها فشلت في اعتراض نسبة كبيرة من المقذوفات، خاصة تلك القادمة على دفعات من اتجاهات متعددة.

منظومات مثل “مقلاع داوود” و”حيتس 2″ أظهرت أداءً متباينًا، ولم تستطع وحدها احتواء الهجوم الكثيف، في حين أن تدخل منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المتمركزة في قواعد إقليمية مثل “THAAD” و”باتريوت” ساهم بشكل كبير في اعتراض عدد كبير من الصواريخ الإيرانية. تشير مصادر عسكرية إلى أن غياب هذا الدعم الأمريكي كان سيؤدي إلى نتائج كارثية على الأرض.

واللافت أن الصواريخ الباليستية الإيرانية نجحت في إيقاع أضرار ودمار غير مسبوق داخل العمق الإسرائيلي، متسببة بموجة من القتلى والجرحى وبوتيرة لم تشهدها إسرائيل منذ نكبة عام 1948. هذا التحول النوعي في فاعلية الهجوم الصاروخي الإيراني دفع تل أبيب إلى خطوة غير معهودة: السماح بنشر صور وفيديوهات تُظهر آثار الدمار في تل أبيب ومدن أخرى، في محاولة لتأليب الرأي العام الغربي وحشد الدعم السياسي والعسكري. ويُعد هذا تحولاً استثنائياً في استراتيجية إسرائيل الإعلامية، التي اعتادت في السابق على حجب آثار الضربات المعادية لتفادي إظهار الضعف أو الانكشاف.

في المقابل، ورغم نجاح إيران في إيصال بعض المقذوفات إلى العمق الإسرائيلي، إلا أنها أظهرت بدورها هشاشة واضحة في حماية منشآتها، خصوصًا في الضربات الانتقامية الدقيقة التي نفذتها إسرائيل. النتيجة: كلا الطرفين يمتلك قدرات هجومية نوعية، لكنهما يعانيان من فجوات دفاعية خطيرة قد تكون حاسمة في حال تطور المواجهة إلى حرب شاملة.

*مضيق هرمز والدبلوماسية المشلولة*

في سياق متصل، أعادت طهران التلويح بورقة مضيق هرمز، هذه العقدة الجغرافية التي تعبر منها نحو 20% من إمدادات النفط العالمية. التهديد الإيراني بإغلاق المضيق، ولو بشكل مؤقت، لا يستهدف فقط شلّ الاقتصاد العالمي، بل يبعث برسالة مفادها أن طهران قادرة على فرض كلف باهظة على خصومها في حال استمرار التصعيد. هذا التهديد دفع بأساطيل بحرية غربية إلى حالة استنفار، ورفع أسعار النفط العالمية في الأسواق الفورية.

في الوقت ذاته، تبدو القنوات الدبلوماسية في حالة جمود. الولايات المتحدة، رغم تحذيراتها العلنية، لم تُظهر بوادر ضغط جدي على الطرفين لوقف التصعيد، بينما تراجع الاتحاد الأوروبي خطوة إلى الوراء مكتفيًا بدعوات عامة للتهدئة. في المقابل، تسعى الصين وروسيا لاستثمار الفوضى لتعزيز نفوذهما في الإقليم، دون الانخراط المباشر في جهود التهدئة. دول الخليج الكبرى، وخصوصًا السعودية والإمارات، تبدي قلقًا بالغًا دون الدخول في مواقف صريحة، فيما تحافظ تركيا على خطاب متوازن دون تدخل عملي.

*لبنان واحتمالات الانجرار إلى المواجهة*

رغم التصعيد الخطير، يلتزم حزب الله اللبناني حتى الساعة سياسة التريث، مدركًا أن أي تدخل مباشر في الصراع قد يُشعل جبهة الجنوب، ويجرّ لبنان إلى أتون حرب شاملة. مع ذلك، لا يمكن استبعاد انخراط الحزب في حال شعرت طهران أن ميزان القوى بدأ يميل بشدة ضدها. المعادلة اللبنانية تظل رهينة قرار استراتيجي إيراني بفتح جبهة الشمال، وهو خيار لا يبدو وشيكًا، لكنه مطروح على الطاولة في حال الوصول إلى نقطة اللاعودة.

*السيناريوهات المتوقعة على المدى القريب*

أولاً، قد تلجأ إسرائيل إلى توسيع ضرباتها لتشمل أهدافًا حيوية داخل إيران، مع التركيز على منشآت صناعية أو عسكرية ذات طابع رمزي. ثانيًا، قد تردّ طهران بموجة جديدة من الهجمات غير المتماثلة تشمل أدوات إقليمية كالحشد الشعبي أو الحوثيين. ثالثًا، قد تنشط المساعي الدولية لتثبيت وقف إطلاق نار مؤقت، يُستخدم لاحقًا كمنصة لاستئناف المفاوضات غير المباشرة.

خاتمة: شرق أوسط على فوهة بركان

ما نشهده ليس مجرد تصعيد عابر، بل ولادة مرحلة جديدة من الصراع المفتوح بين قوتين إقليميتين. إيران تسعى لتثبيت موقعها كقوة ردع إقليمية غير قابلة للتجاوز، بينما تحاول إسرائيل فرض خطوط حمراء جديدة تمنع تهديد عمقها الاستراتيجي. بين هذين المشروعين، تقف المنطقة كلها على حافة تحول جذري، قد تعيد تشكيله تسوية كبرى… أو انفجار لا يُبقي ولا يذر.

إنه اختبار حاسم للقوى الكبرى، ولإرادة اللاعبين الإقليميين، ولقدرة الدبلوماسية على احتواء النار قبل أن تلتهم الهشيم بأكمله

شاركها.