🕊️ دبلوماسية الصورة في شرم الشيخ: حين تتكلم الطاولة قبل الكلمات

بقلم: أشرف عبد الخالق

 

في قاعة شرم الشيخ، لم يكن التوقيع على الاتفاق الأخير مجرد مشهد بروتوكولي عابر.

كل زاوية، كل مقعد، وكل نظرة بين القادة كانت تحمل رسائل مشفّرة تتجاوز النصوص الرسمية.

فالقمة التي عُقدت في منتصف النهار لم تُصمم لتبدأ مساراً جديداً، بل لتُعلن عن تثبيت معادلة قائمة، وفرض إيقاع جديد على الإقليم، عنوانه: “التوازن لا الانتصار”.

 

• توقيت الرسالة لا توقيع الورقة:

اختيار الساعة الوسطى من النهار لم يكن صدفة. في العُرف الدبلوماسي، الظهر يعني ذروة النشاط السياسي، أي أن المسار قد بلغ نقطة الحسم.

تأخّر التوقيع دقائق معدودة قبل دخول الصحفيين، ما كشف عن نقاش لحظي حول بند دقيق، يُرجَّح أنه المتعلّق بصيغة الضمانات ما بعد الهدنة.

الرسالة الضمنية: “نحن نوقّع ما اتُّفق عليه ميدانياً، لا ما كُتب في المكاتب.”

 

•هندسة الصورة… هندسة النفوذ:

الإضاءة صُمّمت لتُبرز الصف الأول وحده — حيث جلست القوى الراعية — تاركةً بقية المقاعد في ظلال رمادية خفيفة.

ذلك التباين البصري لم يكن إخراجاً فنياً، بل ترميزاً لمعادلة السلطة: من في الضوء يقرّر، ومن في الظل يُتابع.

والكاميرات التي تجنّبت الاقتراب من وجوه بعض القادة العرب، كانت تقول بهدوء: ليس الجميع هنا بقرار سيادي كامل.

 

• من يتكلم… ومن يُترجم له:

الرئيس المصري افتتح الجلسة، والمبعوث الأميركي اختتمها — ترتيبٌ يعكس توزيع الأدوار بين المضيف والمهندس.

الكلمة الأميركية استخدمت عبارة مفتاحية:

 

> “This agreement aligns with our strategic vision for regional stability.”

أي أن واشنطن لم تُخفِ كونها صاحبة “الرؤية”، فيما البقية شركاء في التنفيذ.

الكلمات العربية اللاحقة اكتفت بالحديث عن المساعدات والجانب الإنساني، بينما اختفى ذكر “الاحتلال” إلّا لماماً؛ كأنما المعجم السياسي تغيّر دون إعلان.

 

🪶 لغة الجسد… اللغة التي لا تُترجم:

 

الرئيس المصري حافظ على وضعية اليدين المتشابكتين، وهي حركة كلاسيكية تُستخدم عند ضبط الأعصاب وكبح التوتر.

الوزير القطري كان يدوّن ملاحظات خلال خطاب نتنياهو المسجل — تعبير عن تحفّظ مكتوم.

أما المبعوث الأميركي فبقي ينظر باتجاه الوفد الإسرائيلي طيلة الوقت، وكأنه يراقب التزامهم الصامت بما تم الاتفاق عليه.

في القاعات الكبرى، النظرات تساوي الوثائق.

 

• غياب طهران… حضور أنقرة:

من المدهش أن إيران لم تُذكر، ولم يُمثّلها أحد، ولو رمزياً.

في المقابل، حجزت تركيا لنفسها موقع الوسيط “الناعم”، بديلاً عن الوسيط “المتمرّد”.

بذلك، أعلن المشهد أن واشنطن والقاهرة والدوحة رسمت خريطة وساطات جديدة:

من يقبل قواعد اللعبة يبقى في القاعة، ومن يرفضها يُراقب من بعيد.

 

• أمن أكثر من اللازم:

الحضور الأمني الكثيف داخل القاعة كان لافتاً، خصوصاً تمركز عناصر الحماية خلف الوفد الأميركي تحديداً.

في البروتوكول، تُوزّع الحماية عادة على الجانبين، لا خلف الظهر — إلا إذا كان هناك هاجس من مفاجأة غير محسوبة.

ما يعني أن الأميركيين لم يأتوا مطمئنين، بل خائفين من تداعيات محتملة من الجبهة اللبنانية أو الحوثية بعد التوقيع.

 

• المصافحة التي لم تتم:

في الصورة الختامية، خفَتت الابتسامات، وتجنّب الوفد الأميركي المصافحة العلنية مع ممثلي الفلسطينيين.

الرسالة واضحة: هدنة إنسانية نعم، اعتراف سياسي لا.

أما ترتيب المصافحات، الذي بدأ بقطر وانتهى بمصر، فكان إعادة ترتيب رمزية لمحاور التأثير:

من المموّل إلى الوسيط إلى الضامن.

 

• ما وراء الحدث:

قمة شرم الشيخ لم تكن اتفاق سلام، بل إعلان إدارة جديدة للنار.

الطاولة التي جلس عليها القادة لم تكن مجرد قطعة أثاث، بل خريطة جغرافية مصغّرة للشرق الأوسط:

في الصدارة من يملك القرار، وفي الخلف من ينتظر التعليمات.

وبين الاثنين، يُرسم التوازن الجديد الذي أرادته واشنطن:

شرق أوسط بلا حرب كبرى… ولكن أيضاً بلا سيادة كاملة.

 

> الختام:

في السياسة، الصورة هي النصّ الحقيقي، والمشهد هو البيان الأوضح.

أما شرم الشيخ، فقد قالت لنا هذه المرّة شيئاً عميقاً:

من يملك الضوء يكتب التاريخ، ومن يجلس في الظل يُرويه فقط.

شاركها.