🔻 مقترح ترامب: هدنة على حافة النار

 

بقلم: أشرف عبد الخالق

 

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقترحه لوقف الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، بدا المشهد وكأنه خروج مفاجئ من العاصفة.

لكنّ الحقيقة أعمق بكثير مما تبدو عليه الصورة. فالمقترح، رغم مظهره الإنساني، لا يحمل بذور السلام، بل يعكس فلسفة إدارة الصراعات لا إنهائها، ويعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط بما يخدم المصلحة الأميركية والانتخابات المقبلة في آنٍ واحد.

 

أولاً: صفقة تهدئة لا اتفاق سلام

 

ما يطرحه ترامب ليس اتفاقاً شاملاً، بل هدنة مشروطة تقوم على معادلة بسيطة:

> “إطلاق الأسرى مقابل وقف النار وتسهيل دخول المساعدات إلى غزة.”

بعبارة أدق، المطلوب ليس إنهاء الحرب، بل تجميدها زمنياً، لتظهر واشنطن في موقع “المنقذ” دون أن تتحمل تبعات ما بعد الحرب، لا في الإعمار ولا في السياسة.

إنه حل مؤقت يُعيد ترتيب الأوراق لا أكثر.

 

ثانياً: مكاسب ترامب من نار الآخرين

 

التحرك الأميركي لا تحركه المبادئ، بل المكاسب الانتخابية.

ترامب يريد أن يقدّم نفسه للأميركيين كرئيسٍ “يعيد الهيبة” دون مغامرات عسكرية.

أن يوقف حرباً في الشرق الأوسط دون جنديٍ واحدٍ على الأرض — هذا كافٍ ليُسوّق نفسه “كرجل الحسم” مقابل بايدن “رجل التردد”.

لذلك، فالمقترح في جوهره ليس مبادرة سلام بل ورقة دعائية انتخابية مغلّفة بالإنسانية.

 

ثالثاً: حماس بين النجاة المؤقتة والانتحار السياسي

لحماس، المقترح فرصة تنفس لا انتصار.

فهو يمنحها هدنة إنسانية بعد شهورٍ من الاستنزاف، لكنه ينتزع منها آخر أوراق الضغط الاستراتيجية: ملف الأسرى.

وبمجرد الإفراج عنهم، ستفقد الحركة قدرتها على فرض شروط جديدة.

إنها صفقة تنقذها ميدانياً لكنها تُضعفها سياسياً، وتجعلها أمام واقعٍ جديد عنوانه:

> “غزة بلا أوراق ضغط، وتحت رقابة عربية أميركية مزدوجة.”

 

 

رابعاً: إسرائيل تلتقط أنفاسها

 

المقترح بالنسبة لتل أبيب هو خروج آمن من المأزق.

فبعد حربٍ أطاحت بصورة جيشها كقوة لا تُقهر، تأتي الهدنة لتمنحها فسحة استراحة دون أن تُعلن هزيمة.

تستعيد أسراها، وتُرضي واشنطن، وتخفف الضغط الدولي، وتعيد ترتيب أولوياتها العسكرية والسياسية.

هكذا، تربح إسرائيل بصمت وتستعيد زمام المبادرة دون أن تنحني.

 

خامساً: الشرق الأوسط بين الوهم والواقعية

 

إقليمياً، المشهد ليس سوى تجميل للأزمة لا معالجتها.

قطر ومصر تلعبان دور الوسيط النشط، لكنهما عملياً تعملان تحت السقف الأميركي.

أما إيران، فستقرأ الهدنة كخطوة تهدف إلى فصل حماس عن محور المقاومة وإعادتها إلى المدار العربي.

وفي المقابل، ستتلقف العواصم العربية الهدنة كفرصةٍ لتنفيس الاحتقان الشعبي وإعادة التموضع بهدوء.

 

سادساً: بين العقل الأميركي والواقع الإقليمي

 

من يقرأ فلسفة واشنطن يدرك أن الهدف ليس إخماد النار بل ضبطها.

الهدنة بالنسبة للولايات المتحدة ليست نهاية حرب، بل مرحلة جديدة من إدارتها.

فهي تريد حرباً منخفضة التكلفة تُبقي إسرائيل قوية، والعرب مطمئنين، وإيران محاصرة.

إنها تطبيق حيّ للمبدأ الأميركي القديم:

> “أبقِ النار مشتعلة بما يكفي لإضاءة المصالح، دون أن تحرق اليد التي أشعلتها.”

 

الخلاصة: هدنة على حافة الانفجار

 

مقترح ترامب، مهما بدا إنسانياً، ليس سوى وقف إطلاق نار مؤجل الانفجار.

فالحرب ستتوقف عسكرياً، لكنها ستستمر سياسياً واقتصادياً وإعلامياً.

وما بين “صفقة الأسرى” و”صفقة القرن”، تتجدد المدرسة الترامبية:

إدارة الأزمات لا حلّها… واستثمار الفوضى لا احتواؤها.

 

أما الرابح الحقيقي فهو من يقرأ ما وراء المشهد:

  1. أنّ الهدنة ليست نهاية الحرب، بل بداية شكلٍ جديد منها — أكثر برودة، وأعمق أثراً.
شاركها.